الأحد , سبتمبر 25 2022 الساعة 00 45
الرئيسية / مقالات / العدين.. وصهوات العز.

العدين.. وصهوات العز.

بلال الطيب

«من العُدين يالله.. يالله بِريح جَلاَّب»، مَطلَع لِغنائية شَهيرة، فيها شَوق وتَمَـنّ لعُلوم الأحباب، أعدتُ ذات التمني، فكان لي مَا أردت، قِصةٌ مُختلفة، لثائرٍ مُختلف، أنْجَبته تلك البَلدة الطيبة، حيثُ الطبيعة الخَلابة، والجَمال الأخاذ، على بِساطها الأخضر سطّر ملاحمه البطولية، وفوق ثَراها الأسمر أتقن اختيار مَوته، فاستحق عن جَداره أنْ يكون شهِيد الأرض.

ثائر استثنائي
على ضِفاف وادي نَخلة عاش الثائر الاستثنائي علي عبدالله جباح، الذي حمل اسم منطقته (جُباَح)، وهي عُزلة تابعة لقضاء العدين، وصارت مُؤخرًا تابعة لمديرية الفرع، ورث منها الحياء، ومن مَلماتها صقل الكبرياء، وتحدى الصِعاب، وجَعلها تلين، وحَرث الأرض بتفانٍ ويقين، كانت هَاجسه وقَلقه، أعطاها جُلَّ وقته، وخُلاصة جُهده، ورواها بِعرقه، فأعطته ما شاء كيفًا وكمًا، وللفقراء المعوزين وزع زكاته، ولوجه الله أطال سُجوده، حَامدًا شاكرًا أنَّه لم يُعطه أرضًا سِواها.

فجأة وبِدون سَابق إنذار، توقفت المـَواسم عن توزيع ابتسامتها المـَعهودة، لم يَعد صَخبها يَستحث الأفئدة، ويوقظ الحنين؛ عكر الإماميون القادمون من شمال الشمال صفو اللحظة، جَعلوها كئيبة وباهتة، نهبوا خيرات الطبيعة، وأذلوا الرعية، وزرعوا الأوجاع والأنين.

حدث ذلك حين قام الإمام الطاغية يحيى حميد الدين بإرسال ذئبه الأسود على الوزير لاجتياح المناطق الوسطى (تعز، وإب)، بعد أن غَادرها الأتراك، وذلك مُنتصف عام 1919م.

وحده الشيخ علي عبدالله جُباَح وقَف في وجهِ الطُغيان، رافضًا حَياة الذُل والهَوان، لم يَستسلم كأقرانه، أو يخضع أو يلين، مَضى بحسهِ المُرهف، ووطنيته الفَذة، ونزعته الوجدانية المُتأصلة فيه، مضى مُدافعًا عن الأرض، مُنتصرًا للكرامة، وحين أرسل إليه أمير لواء تعز علي الوزير بحشدٍ من العساكر لغرض تَحصيل الجبايات المـَـفرُوضة عليه، وذلك بداية عام 1920م، طردهم شرَّ طرده، مُؤكدًا وهو صَاحب الحق عدم إذعانه للإماميين المُتفيدين، حتى ولو كان الثمن حَياته.

اتهم المُؤرخ المتوكلي عبدالكريم مطهر الثائر جُباَح حينها، بـ «أنَّه تحرك للخلاف، وتابع الشيطان، فركب متن الاعتساف، وجاهر الله بمعصية النكث على إمام زمانه، وجمع حوله أصحابه، وباين طريقة أمانه، وقطع الطريق، وأخاف السبيل».

وكشف المُؤرخ ذاته، عن استعدادات ذلك الثائر الحر لخوض غمار مُواجهة الإماميين مُبكرًا، قائلًا: «وكان قد استعد للجِلاد، وجمع إليه من الرُّعاع أجناد، وتأهب لملاقاة جنود الحق».

بادر أمير لواء تعز بعد ذلك بإرسال «الجنود المحشودة، والكتائب المعدودة» – حد توصيف المُؤرخ مُطهر – الذي نقل – كما هي عادته – تفاصيل تلك المعركة، برؤية اُحادية، دون الإشارة لبطولات الثائر جُباَح، وصمود مُقاتليه؛ بل تهكم عليه قائلًا: «ولكنه لم ينفعه الاستعداد، وخذله شيطانه».

وعلى النقيـض من المُؤرخ مُطهر، أشــاد المُؤرخ حـمـود الدولة ببطـولة الثائر الاستثنائي علي عبدالله جباح، وأبناء منطقته بشكل عام، ونعته بـ (الشيخ الشجاع)، وقال أنَّه أبدى وأصحابه في مُقاومة القوات الإمامية صبرًا وجلادًا، وأكد أنَّهم – أي أولئك الأبطال – «لا يخرجون مما كانوا فيه إلا وقد صاروا رمادًا، ثم يخرجون من بين قتام الحرب إلى بيت آخر أو نوبة أخرى، ويجري فيها مثلما جرى في الذي قبلها»، ثم عاد وتحدث عن بطولات الطرف الإمامي، الذين أسماهم بـ (المجاهدين)، والذين استأصلوا – حد وصفه – جميع تلك البلاد.

وإكمالًا لذلك المشهد أترككم مع ما قاله المُؤرخ مُطهر: «انجلت الحرب عن هزيمة رعاعه – يقصد جباح – وتشتيت شملهم، وإحراق قُراهم، وسقوط العدد الكثير من شرارهم قتلى على الصعيد، فانحصر المذكور في داره الحصين، وناله من رصاص المدافع العذاب المهين، وفي النهاية فرَّ في جنح الليل، وتحت أستار الظلام، وترك داره وما جمعه نهبًا لجند الإمام، وطوته الأرض، فلم يعرف حينئذ مقره».

المُؤرخ حمود الدولة بالغ هو الآخر في تصوير ذلك المشهد، وأضاف: «وأما علي عبدالله جباح، الذي حرك من بغيه وأهله شؤم الجناح؛ فإنه بعد الاستيلاء على بلاده، وملك أغواره وأنجاده، كان فراره مُشردا، وعن أهله ومحله مُطردا، فلم يقر به قرار، ولا آوته الديار. وكلما استغاث بأهل بلدٍ قريبٍة أو بعيدة: أقرعهم عن قبوله خشية الاحتراق بناره الشديدة، فطردوه طرد المُختلس، وتجنبوا قبولهم تجنبهم المتلبس».

ولم يتوقف المُؤرخ حمود الدولة عند هذه الجزئية؛ بل أتى برواية مُتصلة، مفادها أنَّ الثائر جباح أعلن استسلامه، وأنَّ الأمير علي الوزير أمر بوصوله إلى مقامه، ثم عفا عنه، وأذن له بالعودة إلى منطقته، بعد أنْ أخذ أحد أولاده رهينة، وألزمه بتسليم ما عليه من واجبات زكوية.

مشاغبة الأقيوس
وغير بعيد عن عُزلة جباح، وفي القرب من قضاء العدين، سبق لأهالي الأقيوس أنْ قاموا بقتل عدد من عساكر الأمير علي الوزير، فما كان من الأخير إلا أنْ أرسل بِحملة عسكرية إلى تلك العزلة، أدبت – كما أفاد المُؤرخ أحمد الوزير – العاصين، واقتادتهم إلى مقر ذلك الأمير، الذي وجه من فوره بحبسهم.

كانت تلك الحركة كما أفاد ذات المُؤرخ بإيعاز من المُتآمرين على عمه الأمير، الذين لم يذكر أسمائهم، مُذكرًا بحادثة أخرى مُتصلة، كان بطلها هذه المرة أحد أبناء تلك العزلة، وكان ضحيتها أحد العساكر، وكان مصير ذلك الثائر ومعه شيخ المنطقة (من بيت سرحان سلطان) مثل مصير أقرانهم.

استبق المُؤرخ أحمد الوزير نقل تلك الحادثتين بالتعريف بعزلة الأقيوس من وجهة نظر إمامية، حيث قال مُشنعًا: «والأقيوس إحدى عزل ناحية تعز الواقعة ما بين مدينة تعز والعدين، وأهلوها أشداء، شرسين، مُشاغبين، وكانوا كثيرًا ما يتعرضون للمارة من الطريق العام، سيما إذا كان الماشي من الجند، فيتعرض له أحدهم، أو جماعة منهم، فيسلبونه حينًا، وقد يقتلونه حينًا آخر أو يجرحونه، وكان كلما أدبهم الأمير يعودون إلى سوء أفعالهم».

والعاقبة للمُتفيدين
قبل الانتفاضة الجُباَحية بأسابيع معدودة، تمرد أهالي العاقبة نوفمبر 1919م، وهي – أي العاقبة – إحدى عُزل ناحية شلف التابعة لقضاء العدين، والواقعة في أقاصي ذلك القضاء من الجهة الشمالية، والمُطلة على جبل راس، قتلوا – أي أولئك الثوار – عددًا من الجند الإمامي المحططين هناك؛ والسبب تمادي هؤلاء العسكر في الإذلال، ومطالبتهم لمبالغ باهظة نظير حلولهم في تلك البلاد، واستخلاصهم لزكواتها، والأسوأ من ذلك تماديهم في نهب مواشيها وأغنامها.

ومن مديـنة تعز أرسل الأمير علي الوزير بـحملة عسكرية إلى العاقبة، وعَززها بأحد المدافع، وأمر عامل العدين الشيخ حمود عبدالرب سنان بتحريك قوات أخرى، وتم بعد أنْ التقت القوتان، الهجوم على تلك العُزلة من ثلاثة مُحاور، وقد أكمل المُؤرخ حمود الدولة ذلك المشهد بقوله: «كل عنوة – أي فرقة – استولت على الجهة التي تليها، إلى حدود حيس، وجبل راس، وما إليها»، وكذلك فعل المُؤرخ عبدالكريم مُطهر، حيث قال: «فأذاقوا – أي الإماميين – المُخالفين عاقبة غدرهم، وشتتوا شملهم بحرب ضروس، ويوم عبوس، وأحرقوا عددا من قراهم، والتجأوا إلى الفرار».

استبسل أهالي المنطقة قبل ذلك بالدفاع عن عاقبتهم، ولولا كثرة العساكر الإمامية، وكثافة نيرانهم، لطال صمود أولئك الثوار، وهم رغم ذلك قدموا الكثير من التضحيات، وقتلوا من المُتفيدين عددًا غير يسير، وعن ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «واشتملت هذه الواقعة على قتلى من المجاهدين، رزقهم الله الشهادة، وكثير من الباغين، حصدتهم بنادق الجند الإمامي، وقُلَلُ مدافعه، حتى عادوا كأمس الدائر، وشبعت منهم الطيور الكواسر».

وكما جاء حديث المُؤرخ مُطهر عن تلك الانتفاضة مُقتضبًا، جاء حديث المُؤرخ الدولة مُكثفًا؛ لأنَّ الأخير كان حينها قريبًا من تلك الأحداث، ومتوليًا لمنصب حاكم العدين، واللافت في الأمر أنَّه – أي الدولة – اعترف بوجود قتلى أثناء المواجهات من الجانب الإمامي، وهو الأمر الذي لم يقم به أثناء حديثه عن الانتفاضات السابقة، ومن إسهابه المطول اقتطفنا: «وقتل من البغاة قتلًا ذريعا، وسالت أوديتهم نجيعا، وغنم المجاهدون غنائم جمة، وأحرقت جميع بلادهم، وحل بهم من الوبال مدلهمه، وكل ذلك مع سلامة المجاهدين، فلم يستشهد منهم غير ثلاثة أو أربعة، وقد قُتل من المُخالفين المُعاندين جملة نافعة».

طلقات تحذيرية
لم تنته بعد تمردات الثائر على عبدالله جباح على دولة الإمامة المُتوكلية، فلم تكد تنقضي سبع سنوات عجاف على انتفاضته الأولى التي سبق أنْ تحدثنا عنها، حتى قام بانتفاضة مُشابهة يوليو 1928م، استشاط على إثرها أمير تعز علي الوزير غضبًا، وهدد وتوعد، وأزبد وأرعد، وأرسل من فوره حملة عسكرية قوامها 60 فردًا، بقيادة شيخًا همدانيًا من حرسه الخاص، يُدعى قناف بن عبدالله الجائفي.

لم يَدع الثائر علي عبدالله جُباَح الشيخ قناف الجائفي وأصحابه يتخطوا شبرًا واحدًا من منطقته الجباحية، وحين رآهم مستميتون في الوصول إليه، تحصن في منزله الطِيني المُتواضع، مُترصدًا خُطاهم المُرتبكة، فيما ابنته شلعة تساعده في تلقيم بندقيته، وتحملها عنه لتأمينه حال تسلله لمنزله الثاني للاستزادة بالمُؤن والذَخيرة، وكانت بِحق كأبيها شُعلة في الشجَاعة والإقدام، وافتخارًا بها كان يُنادى بـ (أبي شلعة).

في غَمرة الدَهشة الممزوجة بالحسرة، تساءل القائد قناف والغيض يكسوا مَلامِحه: «من هذا العُديني الذي تجرأ على مواجهتنا، من يَحسُب نَفسه؟»، قرر – حينها – التَوغل بمفردة، مُتجاوزًا طَلقات جُباَح التحذيرية، وتحذيرات عساكره، سَقط قتيلًا، مُضرجًا بِدماء الخَيبة، أخذ العسكر جُثته، وانصرفوا راجعين، مُكررين ذات السؤال، مُجددين العزم على العَودةِ مرة أخرى للتشفي والانتقام.

نَزلت المفاجأة على أمير تعز كالصاعقة؛ خاصة حين أفاق ذات صباح، وجُباَح أمامه بشحمه ولحمه، طفقا يتحدثان وكأنَّ شيئًا لم يَحدُث، كالأسد الهصور وقف الثائر العُديني في حَضرة الذئب الأسود، مُستفسرًا عن سبب إرسال تلك الحَملات، مُؤكدًا التزامه بدفع ما عليه من واجبات زكوية، بموجب ما حدده الشرع، فما كان من الأمير إلا أنْ صَفح عنه، مُتحملًا دفع دية النقيب قناف وأصحابه من جيبه الخاص، وأذن مرة أخرى لبطلنا الثائر بالعودة إلى عَرينه.

مَعركة الإذلال
رُغم الخدمات الكبيرة – سبق أن تحدثنا عن معظمها – التي قدمها الأمير علي الوزير (الذئب الأسود) لسيده الإمام يحيى حميد الدين، إلا أنَّ الأخير تَنكر له، كما تنكر لسواه، خاصة حين كبر الأبناء (سيوف الإسلام)، أو السيوف الأثرية – حد توصيف الشاعر الفِلسطيني أبو سلمى الكرمي – وزعَ اليمن بَينهم كإقطاعيات 1938م، واستحدث تقسيمات إدارية للنواحي والألوية، وهي التقسيمات التي عمقت القطيعة، وصَعَّبت معاملات الرعية، وزادت الطين بلة.

لواء إب الأخضر كان من أشهر الـمناطق التي تم استحداثها، فقد صار بعد أنْ كان قضاءً تابعًا للواء تعز، ثم للواء ذمار، ثم للواء صنعاء، صار لواءً مستقلًا، وعُين السيف الحسن بن الإمام يحيى أميرًا عليه، وإليه تم ضم قَضاء العُدين، وقضاء ذي السفال، أما لواء تعز المُجاور فقد كان من نصيب السيف أحمد، إلى جانب تعيين الأخير وليًا للعهد.

كان الأمير الحسن (ثالث أبناء الإمام يحيى حميد الدين) أكثر السيوف الأثرية شبهًا بأبيه، خَلقًا، وخُلقًا، كان حقودًا بَخيلا، تجاوز نصائح نيقولا مكيافيللي من الحرص إلى الجشع، وعدَّ الإفراط في الظُلم رحمة، عملًا بمبدأ هاملت الذي قاله ذات يوم: «لابد بأنْ اقسو لكي أبدو رحيما».

سام رعية اللواء الأخضر (إب) صُنوف العذاب، وحين حَدثت مجاعة عامي 1942م – 1943م، منع فتح المدافن المليئة بالحبوب للمُتوافدين عليه، وبمعنى أصح للمتوافدين على مدينة إب، وكرر مقولة أبيه الصادمة: «ما يكفي الخلق إلا خالقهم»، فمات أكثر الناس – من الجوع – أمام ناظريه، وحين طلب معاونيه منه أنْ يصرف أكفانًا للضحايا، أمر أنْ يقبروا في مقابر جماعية، وبدون أكفان!

وكانت المفارقة الصادمة بأن تصدق أحد التجار اليهو ويدعى داؤود الصبيري بشراء الأكفان، أما ذلك الأمير البخيل فقد أغلق على نفسه داره، وكأنَّ الأمر لا يعنيه؛ فاستحق بذلك كره الناس، ولعناتهم.

في كتابه (معارك ومؤامرات ضد قضية اليمن)، قال المناضل محسن العيني أنَّ الأمير الحسن زار ذات نهار جيش الإمامة الحافي، وأنَّه خطب فيهم – في إحدى ميادين صنعاء – قائلاً: «أنتم أعظم جيش في العالم، لقد زرت مصر، ورأيت جيشها، وزرت العراق، وزرت إيطاليا، وزرت ألمانيا، ورأيت جيوش هذه البلاد، أنتم أعظم جيش في العالم؛ لأنكم تشبهون جيش رسول الله!!».

وفي ذات الكتاب، ذكر المناضل العيني – أيضًا – أنَّ الأمير الحسن نزل أثناء زيارته للقاهرة بفندق الكونتنتال، وحين سأله بعض زواره عن انطباعاته ورأيه بقاهرة المـُعز، وأنوارها البراقة الزاهية، فلم يزد أنْ رد عليهم: «تبذير»!

وفيه قال القاضي عبدالرحمن الإرياني:
حسـن ابن الإمام لا أحســــن
الله إليــــه ولا عــداه السـقام
يأخـذ المال يهتــك العــــرض
لا يسـلم منه النساء والأرحام

كما خاطب في ذات القصيدة أباه الإمام يحيى قائلًا:
أنصف النـــــاس مــــــن بنيك وإلا
أنصفــــتهم مــن دونـــــــك الأيــام

إذا كان أمير تعز المـَـعزول أرسل حملات عسكرية لإذلال الثائر علي عبدالله جُباَح، فإن أمير إب المـَـغرور أرسل بجيش كبير لذات الغَرض، مسنودًا بمدفع تركي قديم، خاصة بعد أنْ أعلن الأخير تمرده عليه، وجعل – أي الحسن – على ذلك الجيش نائبه أحمد السياغي، حطَّت تلك القوات على هِضاب مَنطقة الوزيرية، فيما تَكفل الشيخ حَميد دماج بضيافتها، ومن ذات المـَـنطقة صبَّ المـَدفع المُتهالك حممه على منزلي جُباَح، ومنطقته المـُسالمة.

حَام الموت حول جُباَح إيغالًا بالفتك به، نجا منه أكثر من مَرة، ولأنَّه مُحارب من الطِراز الأول؛ كان يسارع كل ليلة في سد الفجوات التي استحدثتها تلك القذائف، خاصة وأنَّ منزليه مبنيين باللبن غير المحروق، الأمر الذي سَهل مُهمته، وأغاض مُحاصريه، الذين كانوا يفيقون كل صباح على صورة مُختلفة عن تلك التي رسموها بقذائفهم.

بعد شهر كامل من الحصار، والقصف المتواصل، أرسل القائد أحمد السياغي له بمكتوب الأمان، التقيا، فألزمه بتدمير الأدوار العلوية لمنزليه، وبالفعل لم تنسحب تلك القوات إلا بعد أنْ نفذ الثائر جُباَح ذلك الاتفاق المـُذل.

وعلى ذكر أحمد السياغي، فقد كان هذا النائب جبارًا عتيًا، صير بعض مواطني لواء إب لخدمته كسخرة، وألزمهم بإصلاح بعض الأراضي الموات، وذلك بعد أنْ ضمها لأملاكه، وكانت نهايته أثناء حروب الدفاع عن الجمهورية قتيلًا.

استباحة العدين
كانت العُدين واحدة من ثلاث مَناطق استباحتها قوات الإمام أحمد يحيى حميد الدين بعد مدينتي شبام، وصنعاء، وذلك بعد أن أخمد الأخير ثورة الأحرار الدستورية مارس 1948م؛ والسبب تمرد الشيخ علي محسن باشا – المساند لتلك الثورة – عليه، وبعد أنْ كانت تجمعت تحت قيادة الأخير قوات كثيرة من العدين، وحُبيش، وبعدان، وجبل صبر، إلا أنَّ خبر سقوط صنعاء بيد القبائل حال وتوجه تلك القوات لإنقاذ الأخيرة، جعل تلك القوات تعود أدراجها من مدينة إب، فيما توجه شيخ العدين إلى منطقته مُقاومًا ورافضًا لأكثر من شهر الإذعان لسلطات الإمام الجديد.

وقف الثائر جُباَح حينها على شُرفة داره العتيق، يَرقب جَحافل الفيد وهي تجتاح بِلاده، وتعيث فيها نَهبًا وخَرابا، وحين انحرفت مجموعة من أولئك العساكر المتوحشين نحو أرضه، تصدى لهم ببسالة، وقتل منهم 12 فردًا، وهو غير آبه ولا مُكترث لغضب السلطات الإمامية الغاشمة.

على ظهر مَترسه القَديم، استحضر جُباَح بطولات الأمس القريب، ألقى نظرة وداع خاطفة على الأرض التي أحبها وأحبته، واحتلت قلبه، وعقله، ووجدانه، ورغم أنَّ الحزن لا يليق به، استسلم مُجبراً لأحزان الرَحيل، وانهمك في تأبين أحلامه، وحين رآه الإماميون المتفيدون على حالته تلك، لم يرحموا كهولته المتشبثة بالأرض، صبوا عليه جام حِقدهم، وأردوه شهيدًا، عن 70 عامًا، قَضى معظمها في خِدمة مَحبُوبته، ولسان حاله يلخصه قول الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول):
هذه الأرض الــتــي ســـرنا على
صهــــــــوات العــــز فيها وأتينا
ومَلكــنا فــــوقها أقــدارنــــــــا
ونــواصيـــها فـــشـــئــنا وأبينا
أبداً لن تنتـهي فيها انتـصاراتنا
إلا إذا نحن انتـــــهـــــــيـــنــــا

* نقلًا عن صحيفة ( 26 سبتمبر)

شاهد أيضاً

بغدادُ (مدينة السَّلام) بينَ الأمل والألم

  بقلم “حسين باسليم آلمتْني كثيرا الأحداثُ التي تشهدها حاليَّاً العاصمةُ بغداد – حاضرةُ العراق ...