الخميس , فبراير 29 2024 الساعة 21 34
آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / أبعاد الحياد السعودي في أزمـة باب المـندب.

أبعاد الحياد السعودي في أزمـة باب المـندب.

 

كاتبات المحلل السعودي – سليمان العقيلي:

لا يبدو سهلاً تفسير الحياد السعودي تجاه الاشتباك الخشن بين الولايات المتحدة وحلفائها وبين إيران وحلفائها عند باب المندب؛ هذا المضيق الحساس للتجارة العالمية وهي المواجهة التي تأتي في ظل اقتصاد دولي مرهق بالأزمات متعددة المصادر والعوامل الجيوسياسية.
ولعل من النادر في التاريخ السعودي الحديث أن تتنحى المملكة عن خيارات واشنطن الأمنية خاصة في الخليج والشرق الأوسط لارتباط البلدين بما يشبه التحالف غير المكتوب. ولذا يمكننا اعتبار الحياد السعودي في هذه المواجهة ذا دلالة عميقة تتعدى التفسيرات المختزلة إلى التفاعلات الإقليمية والدولية؛ الأمنية والسياسية والاقتصادية.
اولاً: صيانة السلام اليمني والامن الإقليمي

غيرت الوساطة الصينية لتطبيع العلاقات السعودية الإيرانية كثيراً من الأدوار في جيوسياسية الشرق الأوسط؛ فرغم الترحيب الأمريكي (البارد طبعاً) باتفاق المصالحة غدى لبكين مكانة هامة في تفاعلات الإقليم تتعدى الاستثمارات والأدوار الاقتصادية إلى التفاعلات السياسية الإقليمية، فبكين ضامنة للاتفاق بين القوتين الإقليميتين الأكبر في الخليج. ولهذا يمكن أن يقال بأنها وضعت قدماً في أمن الخليج.
ونتج عن هذا الاتفاق نجاح الوساطة السعودية العمانية في الأزمة اليمنية وبالذات إقناع الحوثي بفكرة التسوية السياسية.
ولهذا كله فجزء من بواعث الحياد السعودي هو تثبيت مشروع السلام في اليمن ذلك البلد المهم للأمن القومي. وكذلك الحفاظ على العلاقة الودية والصفحة الجديدة مع طهران التي من جهتها تكسب بعلاقة جيدة مع الرياض فوائد عديدة من أهمها ابتعاد السعودية عن الفكرة الأمريكية الإسرائيلية المتمركزة حول أن إيران عدو مشترك يتطلب المواجهة المشتركة. وكذا تحييد التأثيرات السعودية في دعم خصوم إيران سواءً المعارضة أو أقلياتها الداخلية أو في أفغانستان وباكستان وأذربيجان التي تتوقع طهران أن تتمثل فيها ردود فعل سعودية على التهديد الإيراني.
إن توازن الردع هذا الذي أرسته بكين للحفاظ على أمن الدولتين والأمن في الخليج مماثل لمبدأ الرئيس نيكسون (توازن العمودين المتماثلين) ولن يترك لواشنطن فرصة تخريبه خاصة إذا تبين أن هذا التخريب يهدف لحماية وتعظيم المصالح الإسرائيلية.
ثانياً: الشكوك في أهداف الصراع
يساور العقل السياسي في المنطقة شكوك حول الأهداف الغربية من المواجهة بجنوب البحر الاحمر؛ فالقوة الغربية التي انسحبت من دورها التقليدي التاريخي في أمن الخليج، لا يمكن الاطمئنان بأنها ستقوم بمثل هذا الدور في البحر الأحمر!
كما أن هناك قناعة خليجية بأن واشنطن أسهمت في تمكين سلطة الحوثي في اليمن، بمنع الجيش الوطني اليمني وحلفائه من استعادة صنعاء والحديدة عندما كانوا على مقربة منهما.
ويعتقد على نطاق واسع أن واشنطن تغاضت عن مرور كثير من الإمدادات العسكرية الإيرانية للحوثي عن طريق بحر العرب وخليج عدن و ميناء بربرة الصومالي. وهدفها بذلك توازن القوة وعدم انتصار جهة على أخرى!
ومن جهة ثانية، لطالما سعت المملكة لإنشاء منظومات امن وتعاون إقليمي مثل منظمة الدول المتشاطئة على البحر الاحمر وخليج عدن، وهي المنظمة التي لم تخرج للوجود بسبب الضغوطات الدولية والتنافس الإقليمي.
كما لم تستجب الأسرة الدولية لنداءات الرياض حول حماية خط الملاحة الدولية في البحر الأحمر في فترات سابقة.
لذا يعتقد المراقبون بأن هناك عدم ثقة إقليمية بالنوايا الأمريكية جراء عملياتها في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن. وأن باعث التدخل الأمريكي هو الحرص على المصالح الإسرائيلية والغربية فحسب.
ولو كانت واشنطن حريصة على أمن البحر الأحمر والأمن الإقليمي لقامت بالضغط على إسرائيل لإيقاف حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة. حيث ترى الرياض ارتباطاً طردياً بين غزة وأزمة البحر الأحمر.
ثالثاً: القلق من تحول البحر الأحمر لساحة مواجهة دولية
في ظل التواجد الصيني المكثف استثمارياً واقتصادياً في الموانئ السعودية على البحر الأحمر، يبدو التواجد العسكري الأمريكي بالمقابل فكرة مثيرة للإنتباه. فانتقال الصراع بين القوى الكبرى إلى البحر الأحمر ليس من صالح المنطقة التواقة إلى أن يتنافس العالم فيها استثمارياً واقتصادياً وبكافة عوامل القوة الناعمة.
الصين انتهزت خطأ واشنطن في عدم دفع شركاتها للاستثمار في رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التي ترمي لتحويل السعودية والشرق الاوسط إلى أوروبا جديدة. واستغلت غياب الولايات المتحدة التي استنزفت دبلوماسيتها بالمماحكات السياسية!
لذا فإن على من يريد منافسة الصين أن يأتي بالأموال والأفكار والمشروعات لا أن يرسل الأساطيل الحربية التي يشك كثيرون أن لديها القدرة على معالجة الأزمات وتثبيت دعائم الامن والاستقرار في المنطقة.

شاهد أيضاً

غزة .. بين التضامن و الاستغلال “الخبيث”!

  كتابات/ حسين الصوفي دموعنا لا تتوقف منذ اربعة اشهر، وأعيننا لا تفارق شاشات التلفزة ...