الخميس , فبراير 29 2024 الساعة 21 58
آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / النازحون داخلياً .. فرارٌ من الحرب ووقوع في براثن الألغام.

النازحون داخلياً .. فرارٌ من الحرب ووقوع في براثن الألغام.

 

قصة مقيته الجعيدي

بقلم / علي التام – ناشط ومراقب حقوقي

تدهورت الأوضاع الإنسانية في اليمن وزادت حدة القتال بين اطراف النزاع المسلح في العام 2021م، وبذلك فتحت الحرب فصل جديد من العنف الأكثر تشظيا ودموية، وظلت المواجهات على أطراف مأرب والجوف حتى اعلان الهدنة في ابريل / نيسان 2022م.

وعلى صعيد متصل بالسياق الزمني للأحداث جاء على لسان المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى اليمن مارثن غريفث في الجلسة العلنية امام مجلس الأمن في 18 فبراير / شباط 2020م إلى “أن تجدد العنف يبطل أي مكاسب نحو السلام ويزيد من حدة التبعات الإنسانية التي يتحملها المدنيون”، ورغم احتوائها على الكثير من الدعوات لوقف التصعيد والشعور بالقلق تجاه المدنيين، الا أن تلك الإحاطات التي كانا يقدمانها المبعوثان الأمميان على التوالي غريفث، ومن بعده هانس غروندبرغ، على مدى عامين وربع منذ التصعيد الأخير، لم توفر للمدنيين الحماية الكافية.[1]

منظمة هيومن رايتس ووتش في مقدمة تقريرها عن اليمن ذكرت تأثر 35 منطقة يمنية من بينها مأرب والجوف جراء اشتداد النزاع في اليمن خلال العام 2020م ، فيما 49 منطقة يمنية تأثرت من تصاعد أعمال القتال في العام 2021م، ما أدى الى فرار سكان المناطق التي تدور فيها المواجهات بحثاً عن ملاذ آمن وتطرق التقرير الى أنه منذ بدء النزاع المسلح في اليمن تسببت الالغام الأرضية والذخائر غير المتفجرة في سقوط 9284 ضحية من المدنيين معظمهم من النساء والأطفال.[2]

اُستخدمت الألغام الأرضية بشكل واسع وبطريقة عشوائية من غير خرائط، وكميات وأعداد كبيرة خلال سنوات الحرب التي مازالت تعيشها اليمن منذ مطلع 2015م، ونسبت الوقائع وتقارير الفرق الهندسية لنزع الألغام وتقارير منظمات حقوقية دولية ومحلية الى ( الحوثيون ) تفردهم في استخدامهم للألغام الأرضية بكثافة عالية في أنحاء متفرقة من البلاد، وأدخلوا عليها تقنيات جديدة وتطويرات محلية الصنع ما أدى الى ارتفاع خطرها على المدنيين وتهديدها لحياة الأفراد والبيئة والحيوان أكثر منه على الآليات العسكرية. وتشير تقارير أممية وحقوقية دولية الى أنه تجاوز عدد ضحايا الألغام في اليمن منذ بدء الحرب في 2015م العشرة الآلف شخص مدني غالبيتهم من الأطفال والنساء.

ومن أجل حماية المدنيين من خطر الألغام مولت منظمة الطفولة (اليونيسف) عدد من برامج التوعية خلال الفترة من 2016م الى ـــ 2020م بهدف تعزيز الوعي المجتمعي بكيفية حماية الناس انفسهم من تلك الآفة الخطيرة، ولقد ساهمت تلك البرامج التوعوية في خفض نسبة الوفيات والإصابات في صفوف المدنيين والأطفال والنساء الناتجة عن الألغام، بيد أن الخطر ما زال قائم ما ظلت الحرب تدور رحاها وتتقد شعلتها.

وعلى صعيد التخفيف من معاناة اليمنيين من الألغام وفتح ممرات انسانية آمنة، يبذل مشروع (مسام ) وهو برنامج إنساني ممول من مركز الملك سلمان للاغاثة والاستجابة الانسانية جهوداً كبيرة عن طريق عملية التدريب والدعم والتقني والإشراف على الفرق الهندسية لنزع الألغام في اليمن بالتنسيق والشراكة مع البرنامج الوطني اليمني لنزع الألغام، وتشير أحدث الأرقام الى ان مشروع مسام نزع خلال الخمس السنوات الماضية عدد 378,636 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة في أحدى عشر محافظة يمنية. وبحسب مشروع مسام، فقد تسببت أنشطة أزالة الألغام في اليمن الى وفاة 30 من العاملين في المشروع من بين اولئك الضحايا عدد 5 خبراء أجانب، فيما عدد 52 آخرين سقطوا جرحى اثناء قيامهم بمهام النزع وتطهير الأرض من الالغام.[3]

رغم تلك الجهود مازال الخطر كبير يهدد حياة المدنيين في المحافظات والمناطق التي تعرضت الى التلوث بالألغام، ومازالت كميات كبيرة منها في جوف الأرض، وبسببها تعطلت أو اغلقت الطرقات، وتوقفت رحلات المسافرين، وتمنّع الفلاحين من حرث حقولهم وتحول دون ذهاب الطلبة للمدارس، وتوقف النشاط العمراني والتجاري، وتعوق حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام.

قصة مقيته الجعيدي .. تراجيديا مركبة من الانتهاكات والمعاناة الإنسانية

مقيته محمد الجعيدي (30 عاماً) واحدة من النساء اللاتي فررن أواخر العام 2021م بصحبة أطفالهن وأسرهن من محافظة الجوف بسبب ذلك التصعيد العسكري تاركات كل شيء ورائهن من الأمتعة والأثاث المنزلي والاحتياجات الحياتية الضرورية الأخرى، وتوجهن صوب الصحراء الرملية بمنطقة اليتمة شمال شرق محافظة الجوف.

(مقيته) كنازحة من ضحايا الحرب تسكن حاليا مع زوجها وعائلتها بالضاحية الشرقية لمدينة مأرب في خيمة قد لا تحفظ لها كرامتها و خصوصيتها كامرأة ، وكفيلة عوامل التعرية بتهالكها خلال فترة وجيزة، وهي أم لثلاثة أطفال وربة منزل، أصبحت عاجزة عن رعاية أطفالها وغير قادرة على الوقوف أو المشي، واصبحن قريباتها هن من يقمن برعايتها ومساعدتها على ممارسة حياتها بصعوبة بالغة بعد تعرضها لكسور في أطرافها العلوية والسفلية نتيجة انفجار لغم أرضي بالسيارة التي كانت تقلهم.

عادت مقيته الجعيدي بتاريخ 11 يناير / كانون الثاني 2022 بصحبة نساء وأطفال قاصدين مساكنهم في قرية الجعيف ـ مديرية برط العنان لجمع اغراضهم وما أمكن من المتاع والأثاث ومن هنا تبدأ الحكاية. عدد 4 نساء و6 مدنيين بينهم أطفال كانت تقلهم سيارة الدفع الرباعي موديل قديم ( 79م) لون أخضر غامق في طريق عودتهم للقرية لأخذ الأمتعة وبعض الأدوات المنزلية بعد أن أجبر الأهالي على الفرار والنزوح القسري الى منطقة الهضبة ثم الى منطقة اليتمة شرق محافظة الجوف.

قالت مقيته الجعيدي وهي أحدى المصابين في الحادثة: “أن لغم أرضي انفجر بالسيارة التي كانوا على متنها عندما أصبحوا على مقربة من المكان الذي يقصدونه ( منازلهم ) في قريتهم ( الجعيف ـ برط العنان ) ما أدى الى مقتل يحيى فارس معفاس، وإصابتها بكسور في رجلها اليسرى بالفخذ والركبة والساق وذراعها الشمال، وإصابة مدني آخر ( ي ـ ع ) بكسور أسفل القدم وشظايا في رأس امرأة أخرى ( ن ـ ع ) ونجاة الباقين ممن كانوا على متن السيارة”.

تواصل مقيته سرد قصة واقعة انفجار اللغم قائله أنه: “حين الانفجار شعر الجميع ممكن كانوا على متن السيارة وتسبب الانفجار برفع السيارة من الارض ثم ارتطامها، وتصاعدت أصواتنا بالصياح وكنت انظر للدماء تسيل من رجلي وذراعي، وكنت لحظات افقد الوعي من شدة الألم، ليقوم الناجون من الحادثة بنفس السيارة معنا وحاولوا انقاذنا الى أن وصولوا الينا اخرين وتم اسعافنا”.

كانت مدينة مأرب هي الأقرب لنقل المصابين من هذه الواقعة، بيد أن مناطق ملتهبة بين طرفي النزاع تحول دون ذلك، وفي هذا السياق تقول (مقيته) في روايتها للقصة: “نقلنا المسعفون الى صنعاء وهناك بالمستشفى شعرت بعد الإفاقة من إجراء العمليات أن كسور في فخذي وركبتي و ساق رجلي، وذراعي الأيسر مثبت بمسامير وأنها بدأت تشعر بتحسن في جسدها الملقي فوق سرير المستشفى، لكن عندما شاهدت رجلها ويدها ملفوفة بالضمادات بتلك اللحظة عرفت بأنها اصبحت غير قادرة على المشي وممارسة حياتها الطبيعية كعادتها، أجهشت بالبكاء وهي تروي قصتها” وقالت: “خواتي هُن من يشلوني ويحطوني للتنقل في الخيمة او لقضاء الحاجة او غيرة، وهن من يقمن بغسل ملابسنا وإعداد الطعام لنا ويقمن على رعاية أطفالي الصغار”، وذكرت أن امنيتها الآن كرسي متحرك يساعدها على التنقل داخل المكان ومأوى يصون آدميتها كامرأة لها خصوصيتها، وأنها تحلم بوقف الحرب وعودتها الى قريتها في الجوف.

الوثائق الطبية ومستندات رسوم الخدمات الطبية التي بحوزتها تؤكد دخولها الى مستشفى أهلي بصنعاء حيث قُدمت لها الخدمات الطبية الطارئة وأجريت لها عدد من العمليات منها تثبيت كسر بالعضد الأيسر وتثبيت كسور مفتوحة في فخذ وساق الرجل اليسرى والركبة اليسرى ايضا بمثبت خارجي.

عبد الكريم صالح (زوج الضحية) يروي القصة من زاوية اخرى حيث قال : “أنه باع سيارته ومقتنياته الأخرى ليواجه بها نفقات علاج زوجته ( مقيته ) في صنعاء الذي يقدر بحوالي ( 36 الف ريال سعودي ) شاملة تكاليف السكن والإقامة لمدة شهر قبل نقلها الى مأرب”، وذكر أن أقاربه ومتبرعين وقفوا الى جانبه وجمعوا له ما تيسر من المال، وأنه اثناء ما كانت زوجته ترقد بمستشفى اهلي بصنعاء لم تقدم له المنظمات في محنته شيئ من المساعدات اطلاقاً.

مقيته الجعيدي واحدة من ضحايا الحرب المدنيين التي تنطبق عليها معايير استحقاق مساعدات الحماية سواءً العلاجية المنقذة للحياة أو المساعدات النقدية الطارئة للنازحين والأسر الأشد ضعفا في المجتمع ، بيد أنها حُرمت من ذلك الاستحقاق حسب تأكيد زوجها وشهود آخرين، ويبدو أن تقصيراً قد حدث بالفعل تجاه المصابة من قبل الجهات التي تعمل في مشاريع الحماية ومساعدة ضحايا الحرب وتقديم المعونات الطبية والعلاجية لهم، وهنا بُعداً آخر يتمثل في نسيان ضحايا الحرب المدنيين وتركهم وأسرهم يواجهون مصيراً محتوماً في مواجهة الأعباء والنفقات العلاجية بالمستشفيات.

يضيف عبد الكريم (زوج الضحية): “أنه في منتصف فبراير /شباط 2022م أكتملت المرحلة الأولى من التدخلات الجراحية للمصابة زوجته، و تقرر خروجها من المستشفى بصنعاء وتبقى متابعة زيارة دورية لأطباء العظام والجراحة العامة للإستشارات الطبية وفقا لتطور الحالة حسب ما أكدوا له ذلك الأطباء الذين قاموا بمعالجتها، عندها قرر هو وزوجته المصابة وقريباتها المرافقات النزول إلى مأرب حيث يقيم نازحين من قريتهم هناك، وظلت العائلة تبحث عن مأوى وسكن قريب من الخدمات الطبية والمستشفيات لغرض متابعة زيارتها للأطباء، الى أن جاد عليهم أحد سكان المجتمع المضيف بمأرب ومنحهم إقامة مؤقته في أرض خاصته بشرق المدينة وفيها نصبت العائلة خيامها” غير أن المعاناة لم تتوقف هنا فهناك تطورات صحية تحتاج المصابة الى عرضها على ذوي الاختصاص في الطب بين الحين والآخر واجراء الفحوصات التشخيصية والأشعة ..الخ والتحضير للتدخلات الطبية الجراحية المكملة في ظل معاناة أخرى تعيشها من ظروف النزوح وتدني مستوى الدخل للأسرة.

وفي هذا السياق قال عبد الكريم صالح عن تطور حالة زوجته الصحية أنه في مارس / آذار 2022م أجريت لها عمليات وتطبيب جراحي في هيئة مستشفى مأرب العام حين التقت بهم منظمة محلية تعمل على رصد وتوثيق ضحايا الحرب (حماية للتوجه المدني HOCO) وأجرت تحقق في الواقعة وما نتج عنها من الوفاة والإصابات والأضرار المادية الأخرى، ثم تم احالة زوجته المصابة الى المجلس الدنماركي للاجئين DRC للحصول على المساعدة الطبية وتغطية تكاليف التدخلات الجراحية التي قدمت لهم في المستشفى، غير أنها حسب الأطباء المختصين ما تزال بحاجة الى استكمال العلاج وإجراء بعض العمليات الجراحية الدقيقة في عظام الركبة، كما تحتاج الى سرير نقل متحرك (عربية نقل طبية متحركة ) وغير ذلك من المستلزمات الطبية الخاصة.[4]

مقيته الجعيدي إحدى الناجيات من ضحايا الالغام وهي بالفعل واحدة من مئات الضحايا اليمنيين المتأثرين بالألغام الذين لا يحتاجون الى إعادة التأهيل النفسي والبدني فحسب، بل إعادة دمجهم في المجتمع بشكل عام من خلال مشاريع التدريب المهني وبرامج التمكين الاقتصادي وإيجاد فرص العمل.

لعلنا قرأنا في قصة مقيته الجعيدي مستوى الخذلان الذي يعاني منه المدنيون ضحايا الألغام في اليمن، من عدم الاعتراف بشكواهم وحجم الضرر الذي لحق بهم من القتل والإصابة وتدمير الممتلكات، ولعلها أيضاً وضعتنا كناشطين جميعاً مؤسسات وأفراد امام مسؤولية أدبية تجاه ضحايا الألغام والانتصار لقضاياهم عبر اليات ووسائل الانتصاف الوطنية والدولية.

شاهد أيضاً

غزة .. بين التضامن و الاستغلال “الخبيث”!

  كتابات/ حسين الصوفي دموعنا لا تتوقف منذ اربعة اشهر، وأعيننا لا تفارق شاشات التلفزة ...